الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

16

مناهل العرفان في علوم القرآن

الترجمة ليست تعريفا منطقيا : أوجس بعض الباحثين خيفة من أن يظن أحد أن الترجمة من قبيل التعريف اللفظي . ولكنا إذا أنعمنا النظر رأينا أن الترجمة بالمعنى العرفي الذي قررناه ، لا يمكن أن تكون تعريفا لفظيا ولا حقيقيا وذلك من وجهين : ( أحدهما ) أن التعاريف كلها من قبيل التصورات ، أما الترجمة فكلام تام . وقضايا كاملة ، وهي بلا شك من قبيل التصديقات . ( ثانيهما ) أن صيغة التعريف مرتبطة دائما بالمعرف ، لأنها قول شارح له ، والشرح والبيان مرتبط في صيغته بالمشروح والمبين ، أما الترجمة فقد فرغنا من أن صيغتها مستقلة عن الأصل المترجم ، لأن الغرض منها أن تقوم بدلا منه ، وأن يستغنى بها عنه ، فلا معنى لأن يجتمع فيها البدل والمبدل منه . نعم إن تفسير المفرد بلغة غير لغته ، يكون من قبيل التعريف الحقيقي إن أفاد حصول صورته في ذهن المفسر له ويكون من قبيل التعريف اللفظي إن أفاد حضور صورته الحاصلة من قبل ، على نمط قولهم في تعريف الإنسان لمن لا يعرف حقيقته : « الإنسان حيوان ناطق » وقولهم في تعريف البشر لمن يعرف حقيقة الإنسان ولا يعرف دلالة لفظ البشر عليه : « البشر هو الإنسان » . ولكننا لسنا هنا بصدد المفردات وتفسيرها ، فبحثنا في الترجمة لا في التفسير ، وفي الكلام المفيد لا الكلمات المفردة . القرآن ومعانيه ومقاصده الآن وقد انتهينا من الكلام على أول المتضايفين في لفظ ( ترجمة القرآن ) ، نقف معك وقفة أخرى بجانب ثاني هذين المتضايفين وهو القرآن نفسه ، لنستبين المراد به هنا ، ولنعرف أنواع معانيه ومقاصده تمهيدا للحكم الصحيح عليه بأنه تمكن ترجمته أو لا تمكن .